منتدى الوادي الاخضر الفلسطيني
على هذه الارض ما يستحق الحياة ------ فلسطين ارض وقف ليست للبيع او المساومة ومهما وقع من اتفاقيات ستاتي اللحظة التي تتمزق بها على يد اطفال فلسطين وسيندحر العدو الغاصب شر اندحار
اهلا وسهلا بكل زائر وعضومسجل في هذا المنتدى فان كنت زائرا فبادر للتسجل معنا واتحفنا برئيك وان كنت عضوا ادخل وارفع من مستوى منتداك

منتدى الوادي الاخضر الفلسطيني

سياسي - ثقافي - تراثي - يهتم بالشان الفلسطيني
 
الرئيسيةالاستفتاءبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 إذاعة العاصفة – صوت فلسطين -

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
فلسطيني حتى النخاع
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 455
نقاط : 14459
السٌّمعَة : 3
تاريخ التسجيل : 09/06/2010

مُساهمةموضوع: إذاعة العاصفة – صوت فلسطين -    الخميس 27 نوفمبر 2014 - 3:21

[ltr]
إذاعة العاصفة – صوت فلسطين - من الداخل .

أولاً – بأنّه من الصعوبة بمكان أن تقوم بتأريخ لإذاعة مسموعة بالكلمة المكتوبة، لأن النطق باللسان واسمع بالآذان عاملان أساسيان في رسم ملامح أية إذاعة مسموعة على حقيقة ملامحها ودقّة قسماتها وصدق نبرتها أو زيْفها!

ثانياً – بأنّه الأصعب من ذلك أن تقوم بعملية توثيق النشيد أو أغنية أو أهزوجة أو مقطّعة موسيقية عن طريق الحرف المكتوب بديلاً للتسجيل الصوتي المسموع الذي يشكل ترجمة شعرية وشعورية تملأ وعاء الكلمة وتعبّر عن الأسلوب والأداء واللحن بكل ما فيه من نغم أو توزيع موسيقي.

ثالثاً – وفي قدر كبير من المرارة والأسى، بأن الأصعب من كل ما ذكرتُ أن جزءاً كبيراً من الوثائق الصوتية لإذاعة صوت فلسطين، ومن قبلها إذاعة صوت العاصفة – قد فُقد تحت ظروف الرحيل المتكرر وتنقّل الإذاعة من مكان إلى مكان دون أن تُمنح فرصة أو مهلة زمنية تمكّنها من نقل موجوداتها أو على الأقل أهم وثائقها الصوتية المسجّلة المشتّتة الآن في أكثر من جهة ولا يكاد أحد أن يعلم شيئاً عن مصيرها أو ما صار لها؟

لقد أريد للنشيد, "النشيد" من إذاعة العاصفة – صوت فلسطين – أن يقوم بوظيفة حسّيّة عميقة تتوازى في قيمتها وأثرها وتأثيرها مع وظيفته السياسية النضالية التعبويّة؛ وهو فيما نعتقد الواجب الأوجب في مهمة إذاعة الثورة – مثل صوت فلسطين – تحمل على عاتقها قدراً ما من الفعل الثوري لدى الجماهير يقع ما بين "تنظيمها" و "تسليمها" وهو واجب "تعبئتها"، وكما يقول فؤاد ياسين : وهذا الواجب كان ينهض دائمً أمام أبصارنا وفي بصائرنا ونحن نفتتح كل يوم برنامجنا الإذاعي بالشعار المعروف والذي يكاد أن يكون محفوظاً أو محفوراً في خلايا تفكيرنا:

"هذا صوت فلسطين، صوت الثورة الفلسطينية، يحييكم، ويلتقي بكم، مجدداً عهده معكم على مواصلة مسيرة الثورة: بالكلمة الأمينة، المعبّرة عن الطلقة الشجاعة، وبالجماهير العربية معبّأة ومنظّمة ومسلّحة، وبالحرب الثورية طويلة الأمد أسلوباً، وبالكفاح المسلّح وسيلة، حتى تحرير فلسطين كل فلسطين".

وللحق والحقيقة، فلقد كان لمس الحرص على تحقيق الصفة التعبوية في النشيد الفلسطيني نابعاً من إحساس العاملين الوثيق بأنّ الحالة النفسية والذهنيّة التي توضّعت فيها جماهيرنا من خلال "العمل الفدائي" هي بذاتها حالة معبَّأة بمقدار ما هي معبِّئة وهي بنفس القدر مهيّأة لمزيد من التعبئة،ويواصل فؤاد ياسين :.... أقصد أن أسجل هنا أن جماهيرنا الفلسطينية والعربية عامة كانت تساعد إلى مدى غير محدود في تحقيق واجب العمل للعاملين فيه الإذاعة، بل إنها ...... في حالات كثيرة كانت تعبّئنا فيما تقدم لنا من إيحاءات ملهمة أو مواقف وحقائق تُغني عن الإتكاء على أخصب الأخيلة.

وفي عملية مشتبكة في تبادلها وتفاعلها في أفعالها وردودها، في مقدماتها ونتائجها كان يتولد "النشيد" الفلسطيني في رحم الإذاعة، بدءاً من صاحب النص – الشاعر – الذي يطالع الحدث ويعايشه وينفعل به ويتفاعل معه ثم يستلهمه ويستجيب له فيترجمه كلمات تُدفع إلى صاحب اللحن – الفنان – الذي يُجهد نفسه هو الآخر بمعايشة النصّ والإنفعال به والتفاعل معه ثم استلهامه والإستجابة له حتى يُخرجه في إيقاع يتناغم مع نبض الكلمة وينسجم مع أداء المجموعة الذين يُجهدون أنفسهم بدورهم في الوصول بالنغم إلى سمع المتلقّي وذهنه وشعوره، سهلاً واضحاً سائغاً يسر التمثّل بعيداً عن كل تغريب أو تعقيد في اللفظ أو زخرفة في اللحن أو بهرجة في الأداء بما يجعل استجابة المتلقي للمضمون في أعلى درجة ممكنة.

ومن أجل هذا تم اعتماد خمس صفات أساسية في كل نشيد أو أهزوجة أو مقطّعة موسيقية لا بد أن تتوافر فيه ولا يمكن أن يمر عبر مسماع الإذاعة لو افتقد واحدة منها:
أولاً: وضوح النص بالمعنى والمبنى (بالفكرة والكلمة).
ثانياً: جماعية الأداء.
ثالثاً: سرعة النفاذ.
رابعاً: سهولة النغم.

خامساَ: ملاصقة الحدث العام ومتابعة الحدث الخاص.

فمن ناحية النص الواضح في معناه ومبناه كان يحرص غاية الحرص على أن تأتي كلمات النشيد على قدر أفكاره بكل اليسر والبساطة، حتى لقد طوّعت مفردات كان من العسير تضمينها نصاً شعرياً، فكيف بها لو ضمنت نشيداً ملحناً؟!

* من أمثلة ذلك كلمة "كلاشنكوف" فلقد روّضها محمد حسيب القاضي في نشيد كان له وقع ملحوظ في آذان المقاتلين وأذهانهم، والجماهير من حولهم:
"كلاشنكوف" خلّي رصاصك في العالـي
ما في خوف طول ما رصاصك في العالي
في عين الحلوة والرشيدية في نهر البارد والنبطية
والوحدات والمغازي والبريج واليرموك عين السلطان والفوار
* وكلمة "الصهيونية" مثل آخر:
الشعب الفلسطيني ثورة ثورة على الصهيونيـة
حمل سلاحه، وبدا كفاحه خذي يا ثورة وأعطيني
خذي دمّي وهاتي انتصارات
* ولقد كان أيضاً يحرص في النشيد على أن يتضمن كلمات مما يسير على ألسنة الجماهير مفردات أو تعبيرات، مثل كلمة "نشامة" ولها مضمونها الخاص في الذهن الشعبي:



يا نشامة شيلو شيــل حرّروها من الدخيــل
والبـــلاد بلادنــا ما نرضى عنها بديـل
* ومثل تعبير "يا حيا الله":
هذا شعب الفدائيـــة الموت يزيده تضحيّـة
وإن غاب منا شهيد واحد يطلع في مكانه ميــة
* وفي حالات كثيرة كان النشيد يقوم بوظيفة البيان أو التصميم التنظيمي من مثل:
يا شعبي كبرتْ ثورتـي كبرتْ وإحنا ثوّارهـا
في قريتـي ومدينـتي من نهرهـا لبحرهــا
يـا شعبنـا يـا أهلنـا اتنظّمـوا يا أهلنـــا
البيتِ إلّلـي يِهْدِمــوهْ واجبْ علينـا نعمّـرو
والطفل إنْ قتلوا أبـوهْ واجبْ علينـا نُحْضُنو
يا ام الشهيـد وزغْرتي كلّ الشبـاب اوْلادكي
يا اخت الأسير اتمرّدي الموت ولا المذلّــة
حيّا الله الأختِ الثائرة حيّا الله الأم الصابرة
واحْنا الّلي نختار المكان واحنا نحدّد الزمـان
أقوالنــا أفعالنـــا عَ كفوفنـا أرواحنـا
وانْ مِتْنا هيْ اولادنـا بيكمّلـوا مشوارِنـا
* وفي أحيان أخرى كان النشيد يقوم بوظيفة التعليق السياسي من مثل:
مش منّا أبداً مش منّــا اللي يساوم على موطْنّا
اللي يفاوض والاّ يصالح واللي يطعن ظهر مكافحْ
مش منا ...
مش منّا ولا من أمّتنـا اللي يعاديكي ثورتنــا
اللي يعادي الفجر صنَعْنا واللي يكره صوت مدفعنا
اللي شايف ولاّ حالــف إنه يخرج على إجماعنـا
مش منا...
مش منّا ولا هوّ منــا اللي يشيـع الفرقة بينّــا
اللي يفرّق صف الثورة واللي الوحدة في قلبه جمْرة
اللي يتاجر بدم الثايــر واللي يهاجر واللي يسايـر
واللي يمشي بركب الغادر
مش منا ...
* ولقد كانت الأناشيد في معظمها ترجمة أمينة لمنطلقات الثورة ومبادئها الأساسية تأتي دائماً لترسّخ في ذهن المستمع المعاني التي يحتويها الخبر أو تحليله أو التعليق عليه، مثل:
هذه ثورتنا وهذا دربنا
حرب الجماهير كل الجماهير حربنا
قضيتنا ما يحلّها غاير المارتيــن
هيّا تنظمْ وتسلّحْ يا شعبنـا وكافحوا يا أهلنا وتنساعدوا
وخلّو المارتين مشدود بصدر العدو
شدّو الزنـاد
فجّرنا الثورة في الخمسة وستين
ثورة طلاّب وعمّال وفلاحين
ومن نفس القبيل مثلاً أيضاً:
هذي الثورة عربية شعبية شعبية
مش عربي أبداً مش عربي اللي بيطعن ثورة شعبي
واللي بيرمي الشوك بدربي
* وعلى نفس نسق أعمق في تعريف الثورة مثلاً آخر:
هذي الثـورة للملاييـن للّي شربوا الظلم سنيـن
للّي جاعوا للّي ضاعوا للّي عريو للّـي التاعو
لليتامــى للثكالــى للّي بسوق الظلم اتباعوا
للّي سكنوا خيـام الـذل للّي حملوا ظلـم الكـل
للّي حملوا الجرح وثاروا للي فوق الجمر وساروا
للّي هبّوا، للّـي لبّــوا للّي علّوا اسمك واسمي
إحمي الثورة بدمّك إحمي يا اخويِهْ
واكْسرْ نابِ الحلّ السلمي يا اخويِهْ
لقد استطاع الأخ أبو هشام في هذا النص أن يصنع بياناً ثورياً بكل أبعاد الثورة وآفاقها بكل ما فيها من مادة ثورية، وبكل ما لها من إسقاطات عفوية في المعاناة والمعايشة التي تتفجر من أعماقها ثورة الشعب.
ويقول المدير الأول للإذاعة الفلسطينية في القاهرة فؤاد ياسين :
.... وفي كل الأحوال، فلقد كانت "اللغة" التي نعتمدها في النشيد لغة قريبة إلى قلب الشارع العربي الفلسطيني، نحاول من خلالها أن نصل إلى الجزئيات القريبة من حياته اليومية أو الأدوات التي هي في متناول استخداماته المعيشية.

لقد كانت لغة شعرية تنطق باللغة الثالثة، وهي شيء آخر غير الزجل وما إليه من المواويل والموشحات والقراوي وسواها ، إنها اللغة التي تترجم المعنى الشعوري عبر كلمات مألوفة مع اللسان الفلسطيني تأكيداً للإلتصاق بالمعنى المقصود وليس جرياً وراء اللفظ المطروق.*

إن لفظ "المارتين" مثلاً ليس ترجمة حرفية لكلمة "البنادق" ومثلها كلمة "فشك" لا تشكل ترجمة لكلمة "رصاص" ومثلها لفظ "البارودة" وكذلك "كروتة التموين" إنها ليست بديلاً لبطاقات التموين ولا ترجمة لها، وإنما هو تعبير مشحون بعوامل نفسية تتضاءل إزاءها كل البلاغات اللفظية.

ومثل ذلك كل الكلمات الدارجة على شفتي الشارع الفلسطيني من المعجم الشعبي التي تضمنتها نصوص أناشيد العاصفة. إنها لا تمثل نزوعاً إلى الإقليمية المحلية أو انحرافاً عن الخط القومي في اللغة بمقدار ما إنها تسجل تراثاً شعبياً تطغى فيه العوامل النفسية على كل ما عداها من النواحي اللفظية.

ويطول بنا الحديث عن هذه الأناشيد وتحليل نصوصها وتوضيح ظروف صياغتها مما يستحق فعلاً أن يُفرد له مبحث خاص يعكف عليه متخصص أو أكثر، يستطيع أن يسبر أغوار هذه النصوص ويستجلي ما فيها من إيحاءات كان لها في وقتها الأثر والتأثير معاً في نفوس مجموعات المقاتلين أو جماعات الجماهير.

ولعلّ من الواجب أن أُشير هنا إلى المحاولة الطيّبة التي بادر إليها الأخ حسيب القاضي حين جمع عدداً من هذه النصوص في كتاب له بعنوان "نشيد للبندقية والرجل" وجعل إلى جانب كل نص منها النوتة الموسيقية التي تساعد من يهتم في عزفه أو تسجيله.
ولكني أعتذر إذا لم استوفي جميع الذين ساهموا في هذه النصوص حقوقهم المعنوية في أقل تقدير. ورغم ذلك فلن تغيب من مخيلتي تلك اللحظات التي صاغ فيها صلاح الحسيني:

أعطيني حقيبة وبارودة وزاد ثلاثة أيام وثلاث ألغام
واطلقني مش طالب ترافقني
احمي لي ظهري يا خويا وما تخلّي ايدين الشر تلاحقني

ولا يفوتني أيضاً أن أسجّل للأخ أبو هشام كلماته التي أصبحت في وقت ما نشيداً للكبار والصغار من شعبنا ومن أصدقائه وحلفائه:

أنا يا أخي آمنتُ بالشعب المضيّع والمكبّــلْ
وحملْتُ رشّاشي لتحملَ بعدنا الأجـيال منجلْ
وجعلتُ جُرحي والدّما للسهل والوديان جدولْ
ديْنٌ عليكَ دماؤنـا والديْنُ حقٌّ لا يؤجلْ

ولا أنسى كلمات لمريد البرغوثي جُعلت نشيداً يجمع بين رواء الشعر وروعة النغم:

إليكَ نجيءُ يا وطني إليك نجيء
بنا وجْدٌ إذا مدّته ريح هــواك
فوق الأرض فوق البحر يمتـدّ
وإن متنا فلا نرتدّ عن عينيـك
بل إنّا إلى عينيك نرتدّ
همسنا في جذور الزرع يا وطني
بأنك وحْدك العهدُ
ونُرضع حبّك الأطفال ما وُلدوا
وليس يعوقهم عن زحفهم للأرض لا أهلٌ ولا لحـدُ
فتى يأتي يزفّرهُ الهوى والوجد
تلو فتى وتلو فتى وتلو فتى
فيا أعداءنا عدّوا.

إنّ ما ذكرته من نصوص على سبيل المثال لا يعدو أن يكون جزءاً يسيراً من كثرة كاثرة لنصوص أخرى تستحق التسجيل كما تستحق التقدير لأصحابها الذين تنازلوا عن أعظم ما يتنازل الفنان عنه من حقوق وهو حق الإعلان والإشهار، ومثلهم موسيقيون وملحنون وفنانون آخرون.
يقول فؤاد ياسين ، المدير الأول للإذاعة : (... كان من طلائعهم الأستاذ عبد العظيم محمد . وأرى علي واجباً أن أسجّل له تقديراً خاصاً لما أعطى من جهده وذهنه وشعوره وفنه راضياً مرضياً في أعمال خالدات لم ينتظر من ورائها جزاءاً ولا شكوراً ولم يتردد لحظة في نكران ذاته وإسمه كأغلى تضحية يمكن أن يجود بها فنان ومثله ممن درجوا على خطاه أذكر وجيه بدرخان ومهدي سردانه وأحمد شريف وإبراهيم رحب وعبد الحميد توفيق زكي وكنعان وصفي ورياض البندك وطه العجيل وصبري محمود وعبد المنعم الحريري ولا أنسى في رأس القائمة الموسيقار الفنان علي إسماعيل الذي وضع موسيقى خالدة لكلمات أبو هشام المبدعة "فدائي" ).


الإذاعة:

في حدود معرفتي بشؤون العمل الإذاعي – أكاديمياً , والخبرة السياسية – استطيع أن أقول، وبكل ثقة مطمئنة، إن إذاعة صوت العاصفة كانت منذ بدئها تمتاز على سواها من الإذاعات الأخرى بأنها طليقة.. طليقة من كل القيود التي تعرفها أجهزة الرقابة، طليقة من كل الحواجز التي تصنعها أدوات التدقيقي، طليقة من كل الممنوعات التي تصدرها مطابخ السياسة. طليقة من كل هذا وسواه، إلا من التزامها الوثيق بجماهير الثورة ومطامحها وغاياتها. وبسبب هذا الالتزام( كانت إذاعة صوت العاصفة مطالبة بأن تكون تعبيراً صادقاً وأميناً عن نبض الجماهير وعن خفقان قلوبها وعن كل خلجة من خلجاتها بما يحقق لهذه الجماهير أكبر قدر مما تطلبه من الجدّية والصدق والبساطة والوضوح). *فؤاد ياسين

وبسبب هذا الالتزام، كانت صوت العاصفة مطالبة دوماً بأن لا تجامل في الحق ولا تداري في الحقيقة، ولا تخضع للضغط، ولا تهاب الملامة. ويقول أيضاً فؤاد ياسين : .... ولقد كانت برامجنا وتعليقاتنا وكل ما يكتب أو نذيع من فيض خواطرنا وبإرادة فلسطينية حرة خالصة في إطار برامج الثورة ومبادئها وأدبياتها ومنطلقاتها الأساسية التي نبعتْ من أعماق الحس الجماهيري وانطلقت من جوف التراب الوطني. ولم يحدث مرّة أن تناقض ما قالتهُ كتُبٌ لها مع أي من هذه المبادئ والأدبيات والمنطلقات والبرامج الثورية.

كما أن هذه الإذاعة كانت – ولمسافة زمنية طويلة – بعيدة عن أدنى حد من التدخل من الدول التي فتحت لها أبوابها لاستضافتها زمناً ما. ويضيف فؤاد ياسين: (... وأذكر فيما أذكر، أننا أذعنا في واحد من برامجنا تعليقاً يعبّر عن وجهة نظر فلسطينية خالصة لم تكن مطابقة تماماً لوجهة نظر الدولة في البلد المضيف. وفي اليوم الثاني استدعاني وزير الإعلام في تلك الدولة وحاول أن يوحي بأنه لم يكن راضياً عن البرنامج الذي أُذيع في يوم سبق وتضمن وجهة نظر لا تتفق مع الخطوط العامة لسياسة دولته، وأنه – وبكل الأدب الجم – يريد أن يكون هناك منسق بين ما نقول في إذاعتنا، وما يُقال في الإذاعات الرسمية.




ورغم براءة المقصد وحُسن النية التي بدت لي من خلال كلام السيد الوزير، فلقد أدركتُ لحظتئذ أن هذه بداية لسلسلة لا تنتهي إذا صُنعتْ أولى حلقاتها. تبدأ المسألة بالتنسيق، وتنتهي إلى الإحتواء. ولقد وجدتني في تلك اللحظة مطالباً ، أكثر من أية لحظة أخرى بالإلتزام.

وبعد أن استمعت إلى كلام السيد الوزير حتى منتها، قلت له: "إنني أعرف تماماً أهمية ما استمعت إليه وخطورته، ولكنني أعرف أيضاً أنكم تملكون عدداً من الإذاعات والبرامج الإذاعية التي تعبّر عن سياستكم الرسمية بما يغطي جزءاً غير صغير من دليل الموجات. أما هذه الإذاعة فهي الصوت الفلسطيني الذي يعبّر عن إرادة الشعب الفلسطيني في سياسة ترسمها الثورة الفلسطينية وكما تريدها الجماهير الفلسطينية (وتعمدتُ الإتكاء والتركيز على "الفلسطينية") وإذا أردتم – يا سيادة الوزير – أن تزيدوا في قائمة إذاعاتكم الرسمية رقماً آخر، فلكم ما تريدون، وهذه مفاتيح إذاعتنا بين أيديكم، والسلام عليكم".

وهنا انتفض وزير الإعلام بلباقة مشدودة وقال: "لا .. لا.. ليس هذا ما قصدت إليه، ولكنما أردتُ أن أنبه إلى ضرورة أن يكون هناك تناغم وانسجام بين ما نقول وما تقولون، وإذا كان في ذلك ما يزعجكم أو يضايقكم .. فلا بأس". وانتهى الكلام. وكان لنا بالفعل ما نريد.. ولكن إلى حين! * ( انتهى الاقتباس ).

لقد قصدتُ من تسجيل هذه الواقعة – دون وقائع أخرى مشابهة – أن أشير إلى أن محاولات الإحتواء كانت تتكرر وتتلون تارة تحت ستار التنسيق، وتارة تحت غطاء التفاهم والإنسجام، وتارة تحت عنوان الاحتضان والتعاطف، ولكنها جميعاً في نهاية المطاف تلتقي عند نقطة فرض الوصاية على هذا الحصان الجامح ولجمه والتحكّم في حركته والسيطرة على صهيله ما أمكن إلى ذلك سبيل.

إن الصوت الفلسطيني مسموعاً عبر الموجات السابحة في الأثير، يشكل تجسيداً للتعبير الفلسطيني الحر الذي ظل حبيساً لسنوات طويلة محروماً من أن يعلن، ومحروماً عليه أن يتنفس، فكيف به وقد أصبح هو الإعلان، وهو المتنفس؟
ولطما كنا نردد، ونعيد ونزيد، أن احتلال الأرض خطر ومأساة، ولكن احتلال الإرادة مطر وكارثة، بل إنه لأشد وأقسى من احتلال الأرض، ذلك أن الشعب الذي تتعرض أرضه إلى الإحتلال، ويبقى محتفظاً بإرادته حرة، سوف يتمكن يوماً من تحرير أرضه لا محالة، أما إذا وقت إرادته في قبضة الإحتلال فقد انتهى كل شيء، ولا مجال.

ولم تكن تنطلق في كل ما يكتب أو يقال عبر إذاعة صوت العاصفة إلا من منابت قضية فلسطين – أرضا وشعباً – ومن الحس الجماهيري الصادق بأبعاد هذه القضية وأعماقها، ومن الرؤية الثورية الواعية لامتداداتها وآفاقها المترامية في طيات المستقبل.

وبذلك لم يكن هناك تدخل فيما يطرأ من خلافات على الساحة العربية أو صراعات، إلا بالقدر الذي يكون لهذه أو تلك انعكاس ما على صفحة القضية الفلسطينية من غير أي افتعال، وبلا أدنى قدر من التطفل أو المماحكة. وللحق والحقيقة معاً ، لم يكن ذلك أمراً سهلاً. ويردف فؤاد ياسين قائلاً : إذ كان علينا أن ننقل أقلامنا في أيدينا على الورق بمثل الحذر الذي ينقل الفدائي خطوة عبر حقل من الألغام على الأرض، بل ربما إحساسنا بمسؤولية ما نقول لم يكن أقل من إحساسه بخطورة ما يفعل.

ولطالما كان يؤكد في المقالات أن يتم التركيز على "القضية الفلسطينية"، وتكريس لـ "الشخصية الفلسطينية" والتمسك بـ "اسم فلسطين" و "الهوية الفلسطينية" في هذه المرحلة من مراحل نضال الشعب الفلسطيني هو أبعد ما يكون عن التفكير القطري أو الجنوح الإقليمي، وإنما هو تركيز على بؤرة الصراع الحي بين الأمة العربية من جهة، وعدوها المعتدي عليها والطامع بمزيد من التحكم في مقدراتها من جهة أخرى..*

لطالما تحدثت الإذاعة عن الأمن القومي، ولطالما تحدثت عن الارتباط العضوي والمصيري الذي يشد بنيان هذه الأمة من الأحمدي على الخليج إلى الدار البيضاء على المحيط. ولطالما حاولت ، حتى لقد أوشكت أن تنجح في إقناع الإنسان العربي بحقيقة الخطر الذي يهدد مصيره وأقداره ومقدراته ومستقبل أجياله من جراء هذه الهجمة العاتية التي يتعرض لها آنذاك جزء من وطنه، ولكنها فيما بعد تهدد سائر الوطن كلّه. وللحق والحقيقية أيضاً، فقد كانت استجابة الإنسان العربي لوقت ما إيجابية في الفهم والاستيعاب والعطاء بالقدر الذي كانت ظروف هذا الإنسان تفتح له المنفذ السالك نحو أي من الفهم والعطاء. ولطالما كانت تردد منطلقات الثورة الفلسطينية : أن هذه الثورة فلسطينية الوجه، عربية القلب. وأن هذه الثورة فلسطينية المنطلق، عربية العمق. وأن هذه الثورة فلسطينية البداية، عربية الإمتداد. وما إلى ذلك كله من المعاني البالغة الوضوح والبساطة. ولكن ذلك كله لم يكن يشفع لصوت العاصفة أن يظل طليقاً في ميدانه، بعيداً عن مضايقات التأثير والتدخل المباشر أو غير المباشر.

وجاء صيف العام 1970 ، جاء صيفاً ساخناً، وجاء بأحداث ومواقف أشد سخونة. وليس هنا مكان تفصيلها أو سردها أو التأريخ لها، ولكنها كانت أحداثاً ومواقف تحمل في محصلتها الأخيرة ترجمة عملياتية للقرار الذي دخل تاريخ المنطقة تحت رقم 242 وباسم اللورد كارادون أحد صنّاع السياسة البريطانية. السياسة البريطانية التي صنعت أول ما صنعت مأساة شعبنا على أرضه منذ أن بسطت فوقها سيطرة انتدابها على امتداد زهاء ثلاثين سنة أنضجت خلالها "الطبخة الصهيونية". وجاء كارادون أخيراً ليضع نقطة الانتهاء في الجملة الفلسطينية، فوضع صيغة القرار 242 الذي هو في جملته وتفصيله قفزة واسعة من فوق الإنسان الفلسطيني، بالقدر الذي يتأهب فيه للقفز من فوق الإنسان العربي لاحقاً..

ولقد رفض ذلك القرار وقاومه البعض ، وقبله البعض من هذا الجانب العربي ورفضه البعض الآخر، وبقي الآخرون في منطقة بينية: لا قبول، ولا رفض، على غرار ما أوشك أن يتحول أمراً واقعاً: لا حرب .. ولا سلام. ولقد قيل للفلسطينيين في وقت ما: من حقكم أن ترفضوا القرار 242 ولكم مبرراتكم في هذا الرفض، ولا اعتراض على موقفكم. ولكن، وعندما بدأ رفْضنا يدخل حيّز المقاومة، وخاصة بعد أن طرح وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية أنذاك ، وليام روجرز مشروعه المعروف والذي يشكل الفهم الأمريكي لصياغة النص الإنجليزي، والذي يشكل الترجمة العملية للخطة الصهيونية التي تطمع في مرحلة ما أن تحوّل النزاع في المنطقة إلى مجرد نزاع على حدود وليس صراعاً على وجود! .
وعندما دخل الرفض الفلسطيني حيّز المقاومة، وقعت الواقعة.. بدأ الاشتباك، ليس على أرض الواقع فحسب، بل وعلى موجات الأثير. وكان الاستبسال الفلسطيني في الاشتباك دفاعاً عن الأرض، وحماية لحرية الإرادة. ولسبب أو لآخر، من بينها سبب هذا الاستبسال قُطع الإرسال، وأُغلقت إذاعة صوت العاصفة، ومُنعت من البث عشية اليوم الثامن والعشرين من شهر تموز يوليو 1970.


[/ltr]
[ltr]
 
[/ltr]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://google-site-verifica.palestineforums.com
 
إذاعة العاصفة – صوت فلسطين -
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الوادي الاخضر الفلسطيني  :: القسم السابع :: منتدى الاعلام الفلسطيني منذ نشأته-
انتقل الى: